شمس الدين السخاوي
189
السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--> = بل الواجب أن يقال : أقومهما بالواجب والمندوب هو الأفضل . فإن التفضيل تابع لهذين الأمرين ، كما قال - تعالى - في الأثر الإلهي : « ما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه . وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه » . فأيُّ الرجلين كان أقوم بالواجبات وأكثر نوافل ، كان أفضل . فإن قيل : فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : « يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم ، وهو خمس مئة عام » . قيل : هذا لا يدل على فضلهم على الأغنياء في الدرجة وعلو المنزلة وإن سبقوهم بالدخول ؛ فقد يتأخر الغني والسلطان العادل في الدخول لحسابه ، فإذا دخل كانت درجته أعلى ومنزلته أرفع ، كسبق الفقير الخفيف في المضائق وغيرها ، وتأخر صاحب الأحمال بعده . فإن قيل : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - عرضت عليه مفاتيح كنوز الدنيا فردَّها وقال : « ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً . . . » . قيل : احتجّ بحال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل واحدة من الطائفتين . والتحقيق أن الله - سبحانه وتعالى - جمع له بين كليهما على أتم الوجوه . وكان سيد الأغنياء الشاكرين ، وسيد الفقراء الصابرين . فحصل له الصبر على الفقر ما لم يحصل لأحد سواه ، ومن الشكر على الغنى ما لم يحصل لغني سواه . فمن تأمل سيرته وجد الأمر كذلك ؛ فكان أصبر الخلق في مواطن الصبر ، وأشكر الخلق في مواطن الشكر » . وقال - أيضاً - بعد كلام طويل جداً ما نصه : « وأي غنيّ أعظمُ مِن غنى من عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض ، وعرض عليه أن يجعل له الصفا ذهباً ، وخُيِّر بين أن يكون ملكاً نبياً وبين أن يكون عبداً نبياً ، فاختار أن يكون عبداً نبياً . ومع هذا فجُبيت إليه أموال جزيرة العرب واليمن ، فأنفقها كلها ولم يستأثر منها بشيء ، بل تحمَّل عيال المسلمين ودَيْنهم . فإذا احتجَّ الغني الشاكر بحاله - صلى الله عليه وسلم - ، لم يمكنه ذلك إلا بعد أن يفعل فعله . كما أن الفقير الصابر إذا احتجَّ بحاله - صلى الله عليه وسلم - ، لم يمكنه ذلك إلاَّ بعد أن يصبر صبره ، ويترك الدنيا اختياراً لا اضطراراً . فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفَّى كل مرتبة من مرتبتي الفقر والغنى حقها وعبوديتها . وأيضاً فإن الله - سبحانه - أغنى به الفقراء ، فما نالت أمَّته الغنى إلا به . وأغنى الناس من صار غيره به غنياً » . وتكلَّم - أيضاً - على الآفات التي تعترض كلاً من ( الفقير ) و ( الغني ) ، فقال : =